محمد غازي عرابي

1029

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة الطور بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 1 إلى 8 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 ) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ( 6 ) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ( 7 ) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ( 8 ) [ الطور : 1 ، 8 ] الطور إشارة إلى العقل ، إذ هو في الأصل الجبل الذي كلم اللّه موسى عليه ، واللّه كلم موسى من باطنه ، إذ جاء في قصص الأنبياء أنه قيل لموسى بم عرفت أن اللّه تعالى هو الذي كلمك ؟ قال : لأن كلام المخلوق إنما يسمع من جهة واحدة بحاسة واحدة هي السمع ، وأني كنت أسمع كلام اللّه تعالى من جميع الجهات ، بجوارحي كلها فعرفت أنه كلام اللّه تعالى . فالطور العقل الفعال الذي يفعل في الفكر ويلهمه ، وقلنا من قبل إنه قوة الدماغ على الحقيقة ، وفي البدء كان العقل ، لأن العقل نور من نور ، أو نور على نور ، والنور الأصل ، واللّه نور السماوات والأرض ، والكتاب المسطور في رق منشور هو ما خطه العقل أزلا وجملة في لوح النفس الكلية ، فالأمر أشبه بكتاب غير مفتوح لم يقرأ بعد ، وقد ضمنه المؤلف ما يريده . والبيت المعمور هو بيت المعقولات الكليات التي هي جملة المعلومات المطوية في النفس ، والسقف المرفوع سماء هذه المعاني ، فالسماء لطيفة شفافة ، والمعاني لطيفة شفافة ، ولا يستطيع الإنسان أن يتصور معنى ما إن لم يبدأ بالمحسوسات أولا ، لينتقل من ثم إلى المعقولات ، ولهذا خلق اللّه العالم الحسي لترتسم صور الكليات عليه ، وليكون هو عيانات هذه الصور ، وهذا مجمل فلسفة هيغل . والبحر المسجور هو ماء الهيولى الأولى ، أو المادة الأساسية ، أو عالم الذر ، فالأمر بين شفافية المعاني وكثافة المباني ، والعذاب الوقوع في أسر المادة ، إذ النفس في الأساس صورة شفافة أيضا ، ولهذا كان وقوعها في الجسد أسرا لها ، وأسرها بعدها عن اللّه واحتجابه عنها ، فهي في طلبه ونشدانه والبحث عنه أبدا . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 9 إلى 16 ] يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً ( 10 ) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) [ الطور : 9 ، 16 ] الإشارات إلى الحقيقة الوجودية الباطنة للعالم الحسي ، وقد أظهرها الكشف للأنبياء